الأحد، 31 مارس 2013

الجيل الثاني للتعليم الإلكتروني

يبلغ عمر التعليم الإلكتروني حاليا ما يقرب من عشرة أعوام، برز خلالها كفكرة صعبة المنال، ما لبثت أن ثبتت واقعيتها بعد ذلك على أرض الواقع، وأصبح التعليم الإلكتروني الآن يستخدم على نطاق واسع. حيث أصبح حاليا هو المصدر الاساسي للعديد من خطط الأعمال والخدمات لمعظم الجامعات والكليات.
وأصبح التعليم الإلكتروني الآن يتطور مع شبكة ويب بشكل كامل، وقد تغير بشكل كبير إلى الدرجة التي أهلته للحصول على اسم جديد ألا وهو الجيل الثاني للتعليم الإلكتروني E-learning 2.0.

أين نحن الآن؟

قبل أن نرى إلى أين يذهب التعليم الإلكتروني، لنلقي نظرة سريعة على ما هو – التعليم الإلكتروني - عليه الآن.
عندما نفكر في المحتوى الإلكتروني اليوم، فإننا نفكر بجدية في الكائنات التعليمية Learning Objects، والتي تعتبر كقطع الليجو التي يمكن تجميعها أو تنظيمها مع بعضها البعض. وقد قامت هيئات المعايير بإعادة تعريف مفهوم الكائنات التعليمية بشكل دقيق، وحددت المواصفات الخاصة بكيفية تسلسل وتنظيم هذه القطع من المحتوى في تأليف المقررات الإلكترونية، وحزمها وتسليمها كما لو كانت كتب أو أدلة تدريب.
واليوم، أصبح التعليم الإلكتروني يأخذ بشكل أساسي شكل المقررات المباشرة OnlineCourses. ونتيجة لذلك، فإن التكنولوجيا التعليمية المستخدمة السائدة اليوم، هي الأنظمة الموظفة لتنظيم وتوصيل المقررات الإلكترونية، وهي أنظمة إدارة التعلم (LMS).
أصبح هذه النوع من البرمجيات منتشر تقريبا في معظم البيئات التعليمية، وأصبحت شركات مثل Blackboard، و Desire2Learn تبيع آلاف المنتجات للجامعات والكليات، ليتم استخدامها من قبل عشرات الآلاف من المعلمين والطلاب.
أخذت أنظمة إدارة التعلم LMS المحتوى التعليمي وقامت بتنظيمه بطريقة قياسية، حيث يتم تقسيم المقرر إلى عدة وحدات، والوحدات تقسم إلى دروس، يتم دعمها بالاختبارات، والمنافسات، والمناقشات، وتترابط العديد من أنظمة إدارة التعلم اليوم مع أنظمة معلومات الطلاب القائمة في الكليات والجامعات.

الاتجاهات:

تغيرت طبيعة استخدام الأفراد للإنترنت في طليعة العقد الأول من الألفية الجديدة. واجتاحت هذه التغييرات كافة الصناعات بشكل كامل، وتخلفت قطاعات التعليم عن ذلك التغيير، وبدأت للتو تستيقظ.
أحد الاتجاهات التي استحوذت على اهتمام العديد من الخبراء، هو الطبيعة المتغيرة لمستخدمي الإنترنت أنفسهم. والذين يسمون أحيانا "المواطنين الرقميين" Digital Natives، ويطلق عليهم أحيانا أخرى “n-gen”، وهذا الجيل الجديد من المستخدمين يعملون، ويتعلمون، ويلعبون أيضا بطرق جديدة.
يستقي هذا الجيل مع المعلومات بسرعة، من خلال الصور، والفيديو، والنصوص، من مصادر متعددة في وقت واحد. فهم يعملون بسرعة عالية، ويتوقعون ردود أفعال، وتغذية مرتدة فورية، وهم يفضلون الوصول العشوائي لوسائل الإعلام، ويفضلون أن يكونوا على اتصال مستمر مع أصدقائهم (يمكن أن يكونوا على بعد باب منهم، أو في الطرف الآخر من العالم)، كما أنهم يفضلون إنشاء وتكوين وسائط الإعلام الخاصة بهم (أو تنزيل ما قام به آشخاص آخرون) عن شراء كتاب أو قرص مدمج CD.

ويب 2.0

كانت أول علامة على تغير شبكة ويب هي الشعبية الكبيرة لبعض المواقع مثل موقع LiveJournal، وزيادة الاهتمام الكبيرة بموقع Friendster، وهي ما تعرف بطليعة المواقع الشبكات الاجتماعية Social Networking، التي أصبحت مثلا يحتذى به لخدمات كثيرة مماثلة، مثل: Tribe، و Linkedin، و Google’s Orkut، و Flicker، و Yahoo 360.
فما يحدث هو أن أجزاء كبيرة من الشبكة العالمية حصلت على خصائص شبكات الاتصال، وأصبحت شبكة ويب تحول نفسها من نمط القرائة “the Read Web” إلى نمط القراءة والكتابة “Read-Write Web”، وأصبح هذا النمط الجديد من الويب يطلق عليه ويب 2.0.




تعتبر ويب 2.0 إصدار من شبكة ويب، حيث تم تقسيم المعلومات إلى أجزاء صغيرة Microcontent، يمكن توزيعها على عشرات النطاقات. ونحن لم نعد ننظر إلى المصادر القديمة نفسها للحصول على المعلومات، فنحن نبحث الآن باستخدام مجموعات جديدة من الأدوات لتجميع أجزاء المعلومات الصغيرة وتعديلها بطرق جديدة ومفيدة.
باختصار، فما يحدث هو إن الويب تتغير من كونها وسيط لنقل المعلومات واستهلاكها، لتصبح منصة لإنشاء المحتوى، ومشاركته، وتغييره، وتغييره هدفه، وتمريره. فما يفعله الناس مع الويب ليس مجرد قراءة كتاب، والاستماع إلى الراديو، أو مشاهدة التلفزيون، ولكنهم يشتركون في الحوارات، مستخدمين مفرداتهم التتي تتكون ليس فقط من الكلمات، ولكن أيضا من: الصور، والفيديو، والوسائط المتعددة، وكل ما يمكن أن تصل إلى أيديهم. وأصبح هذا وبدا كأنه مثل الشبكة.
ويتجلى ذلك بشكل أكثر وضوحا في عالم المدونات Blogging، ففي سنوات قليلة انتقلت المدونات من مواقع قليلة عديدة على الويب، إلى أن أصبحت شيء يستخدمه الملايين من البشر حول العالم، تدعمهم أدوات تأليف المحتوى مثل بلوجر Blogger وورد بريس Wordpress.
والأهم من ذلك، هو ربط المدونات مع بعضها البعض من خلال آلية التلقيمات الموحدة
RSS، التي تعتبر تنسيق بسيط من لغة XML، التي تمكن من المدونين من إرسال مضمونها إلى شبكة من القراء يسمون بالمشتركين Subscribers.
لم يستخدم التدوين لأغراض التدوين فقط، لكنه أسهم في خلق مجتمع دولي على الإنترنت، تستخدم أدوات الكتابة التعاونية التى تسمى الويكي Wiki، حيث ساهم بضعة آلاف من الأشخاص حول العالم في إنشاء موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا على سبيل المثال.
لا يعد ظهور ويب 2.0 ثورة تكنولوجية بقدر ما هو ثورة  اجتماعية، فتطبيقات ومواقع ويب 2.0 تشجع على المشاركة من خلال التطبيقات والخدمات المتاحة، ونقصد بالإتاحة هنا ليس فقط الإتاحة التكنولوجية، ولكن الإتاحة من الناحية الاجتماعية وهي الأهم، مع منح الحقوق في استخدام المحتوى في سياقات جديدة ومثيرة.



E-learning 2.0

يعتبر عالم التعليم الإلكتروني أقرب ما يكون إلى شبكة اجتماعية، وهو يعد مجتمع من الناحية العملية. يتميز هذا المجتمع بالممارسة والتفاعل من قبل الأعضاء الذين يشاركون ويتعلمون سويا، ويطورون مجموعة مشتركة من الموارد.


كانت المجتمعات في التعلم المباشر مصطنعة ومفتعلة في كثير من الأحيان، عن طريق المناقشات المدعومة من خلال أنظمة إدارة التعلم LMS. وكانت هذه المجموعات تقتصر على مجموعات معينة من المتعلمين، مثل الفصول الجامعية، وتكون محددة زمنيا بنقطة بداية ونقطة نهاية ثابتتين، وبالطبع كان ذلك أفضل بكثير من لا شيء، ولا يمكننا القول أن هناك مجتمعات ممارسة قد تكونت.
في الوقت الذي أخذت فيه بعض المجتمعات على الإنترنت مثل مجموعات ياهوو Yahoo! Groups أن تأخذ منحى لأنشطة المجتمعات التعليمية. ولكنها كانت بطيئة الانتشار لعدم وجود دعم من المؤسسات التعليمية التقليدية.
بدأ المعلمون يلاحظون شيئا مختلفا يحدث عند استخدامهم  أدوات مثل ويكي Wiki، والمدونات Blogs، في الفصول الدراسية لبضع سنوات مضت. حدثت مفاجئة للجميع، فبدلا من مناقشة المواضيع المحددة سلفا للطلاب مع بعضهم البعض، وجد الطلاب أنفسهم في مناقشات واسعة من الموضوعات مع نظرائهم في جميع أنحاء العالم وليس مع نظرائهم في الفصول الجامعية فقط.


تختلف التدوينات كثيرا عن المحتوى التعليمي التقليدي، فهي تعتبر أقل رسمية، حيث أنها مكتوبة من وجهة نظر شخصية. فالطلاب عندما يدونون فأنهم يوظفون تدويناتهم لأغراضهم ومصالحهم الخاصة، بدلا من التركيز على موضوع أو مشروع تعليمي محدد. والأهم من ذلك، هو ما يحدث عندما يدون الطلاب، ويقرأون تدوينات الآخرين، فهذا يشكل شبكة من نماذج التفاعلات تشبه الشبكة الاجتماعية.
لماذا لا يكون خيار تنزيل المعلومات متاحا بنفس الطريقة التي يقوم بها الطلاب بتنزيل الموسيقى؟ حيث يمكن للطلاب من خلال الويب الحصول على المعلومات التي يريدونها والتي تناسبهم.
ماذا يحدث عندما يتوقف التعلم المباشر عن أن يكون مجرد وسيلة، ويصبح أشبه بمنصة؟
ماذا يحدث عندما تتوقف برمجيات التعلم المباشر عن كونها نوع أداة من أدوات المحتوى الاستهلاكي، ويصبح التعليم يمكن توصيله، ويصبح أشبه بأداة لتأليف المحتوى، حيث يتم إنشاء التعلم؟
إذا أصبح نظام التعليم الإلكتروني نوع من المحتوى المنتج من قبل الناشرين، والمنظمين، والمستهلك من قبل الطلاب، فهذا يقلبه رأسا على عقب. فبقدر ما هناك محتوى يتم استخدامه أكثر مما تتم قراءته. وفي أي حال من المرجح أن يتم إنتجه من قبل الطلاب عوضا عن مؤلفي المقررات الإلكترونية. وكلما كان هناك هيكل، فمن المرجح أن يأخذ شكل اللغة أو المحادثة بدلا من كونه كتاب أو دليل تدريب.
تشبه تطبيقات التعليم الإلكتروني إلى حد كبير أداة التدوين. لأنها تمثل عقدة واحدة في شبكة المحتوى، تتصل بالعقد وخدمات المحتوى الأخرى التي تستخدم من قبل الطلاب الآخرين. وتصبح ليست تطبيقات للمؤسسات والشركات، ولكن مركزا للتعلم الشخصي، حيث تتم إعادة استخدام المحتوى، وإعادة تغييره وفقا لاحتياجات الطلاب وطلباتهم الخاصة. وفي الواقع فهو ليس تطبيقا واحدا، ولكن مجموعة من التطبيقات المتداخلة والتي تمثل بيئة للعمل بدلا من النظام.
ومن الأدوات الأساسية في نظم التعلم الإلكترونية الحديثة هي أداة الحافظة الشخصية Personal Portfolio Tool، والفكرة من هذا أن  الطالب يكون له مكانه الشخصي الخاص الذي يحتفظ فيه بأعماله الخاصة ويعرضها عليه. وهناك بالفعل بعض تطبيقات الحافظة الشخصية الإلكترونية مثل ELGG.
والحافظة الإلكترونية الشخصية يمكنها أن تعطي فرصا لإثبات قدرة المرءعلى جمع وتنظيم وتفسير انطباعاته عن الوثائق ومصادر المعلومات، ويمكن استخدامه أيضا كوسيلة للتطوير المهني، وتشجيع الأفراد على تحمل المسؤولية وإظهار نتائج العملية التعليمية الخاصة بهم.
ومن النهج الجدية أيضا في الجيل الثاني من التعليم الإإلكتروني الاعتماد على الخلاصات الموحدة البسيطة RSS، بحيث يتم إنشاء محتوى التعلم وتوزيعه بطريقة مختلفة جدا. فبدلا من الإنشاء، والتنظيم، والحزم من قبل المؤسسات التعليمية، تتم مزامنة ونشر محتوى التعليم الإلكتروني، تماما مثل تدوينات المدونات أو ملفات البودكاست. ليتم تجميعه من قبل الطلاب، وذلك باستخدام برنامج قارئ الخلاصات RSS Reader أو بعض التطبيقات المماثلة. ومن هنا تتم إعادة تغيير وتشكيل المحتوى من قبل الطلاب باستخدام تطبيقاتهم الخاصة الفردية، حيث يقومون بتغذية المنتج النهائي ليتم تناوله وقرائته واستخدامه من قبل الطلاب الآخرين.
وعلى الصعيد الرسمي، وبدلا من استخدام المؤسسات لنظم إدارة التعلم LMS، يتوقع أن تستخدم المؤسسات التعليمية مجموعة متشابكة من التطبيقات مفتوحة المصدر في إطار التعليم الإلكتروني.
وبصفة عامة سوف يتم في المستقبل وعلى نطاق واسع الاعتراف بأن التعلم لا يأتي من تصميم محتوى التعلم ولكن من كيفية استخدامه.
ونظرا للانتشار الواسع لاستخدام الهواتف النقالة وأزدياد قدراتها وتطويرها المستمر، ستأخذ دورا هاما في عملية التعلم، وهو ما نطلق عليه التعلم النقال، الذي سيوفر فرصا جديدة ليس فقط للخلق، ولكن للاتصال أيضا. فالتعلم النقال يوفر علاقات جديدة بين المتعلمين والسلوكيات والمعلومات وأجهزة الكمبيوتر الشخصية حول العالم بأسره.
فسمة العصر الذي نعيشه الآن يتسم في عبارة "الحوسبة في كل مكان" حيث يضع الواقع الافتراضي الناس في العوالم المخلقة حاسوبيا.
ففي مجال التعليم يعني ذلك إتاحة التعلم بغض النظر عمن يقوم بعملية التعلم. حيث سيعتمد سير التعلم على التكامل العميق بين تطبيقات المؤسسات التعليمية عن طريق خدمات الويب التي تجعلها خدمات مركبة.

---------------------------------------------------------------------------------------------------
تمت ترجمة هذه المقالة عن مقالة Stephen Downes والمنشورة على موقع Elearning Magazine، والمقالة الأصلية موجودة على هذا الرابط:http://elearnmag.acm.org/featured.cfm?aid=1104968

الموضوعات المرتبطة